أبي منصور الماتريدي
602
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ثم الذي وقع به القسم قوله - تعالى - : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ، أي : الإنسان لنعم ربه لكفور ، لا يشكرها ، وهو أن الإنسان يذكر مصائبه وما يصيبه من الشدة في عمره أبدا ، وينسى جميع ما أنعم الله عليه ، وإن لا يفارقه طرفة عين ؛ ولذلك « 1 » قال الحسن : الكنود : هو الذي يعد المصائب وينسى النعم « 2 » . وقيل « 3 » : الكنود : القتور البخيل الشحيح في الإنفاق ، ويجب أن يكون وصف كل إنسان ما ذكر ، لكن المؤمن يتكلف شكر نعم الله - تعالى - ويجتهد في ذلك ، ويصبر على المصائب ، وهو كقوله - تعالى - : إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً [ المعارج : 19 ] ، وخلق عَجُولًا [ الإسراء : 11 ] ، هو كل إنسان ، ثم استثنى المصلين منهم « 4 » ، وهم المؤمنون ؛ أي : كذلك خلق وطبع كل إنسان ، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه من ذلك الطبع الذي أنشئ عليه ، وطبع إلى غيرها من الطبائع ؛ كالبهائم والسباع التي طبعها النفور من الناس بالاستيحاش عنهم ، ثم تصير بالرياضة ما تستقر عندهم وتجيبهم عند دعوتهم . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ، قال بعضهم : إن ذلك الإنسان على ما فعله في الدنيا لشهيد في الآخرة على [ ما جمعه ] « 5 » ؛ أي : يشهد ذلك ويعلمه ؛ كقوله : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ [ القيامة : 14 ] . وقال بعضهم : وَإِنَّهُ ، أي : ذلك الإنسان لبخله وامتناعه عن الإنفاق لَشَهِيدٌ ، أي : يتولى حفظ ماله وإحصاءه بنفسه ، لا يثق بغيره . وقال بعضهم : وَإِنَّهُ يعني : الله تعالى عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ أي : عالم ، يحصيه ؛ ويحفظه ، كقوله : لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها . . . [ الكهف : 49 ] . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ، أي : ذلك الإنسان لشديد الحب للمال ، فذكر بخله ، وشحه في المال ، في ترك الإنفاق والبذل ، وعلى ذلك طبع كل إنسان ؛ على ما ذكرنا ، لكن المؤمن يتكلف إخراج نفسه مما طبع بالرياضة ، ويجتهد في الإنفاق ، والحب هاهنا : حب إيثار ، أي : يؤثر لنفسه . وقوله - عزّ وجل - : أَ فَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ ، يقول - والله أعلم - : فهلا
--> ( 1 ) في ب : وكذلك . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 37843 ) ، وسعيد بن منصور ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، والبيهقي في الشعب عنه كما في الدر المنثور ( 6 / 654 ) . ( 3 ) قاله الحسن وقتادة أخرجه البيهقي في الشعب عنهما كما في الدر المنثور ( 6 / 654 ) . ( 4 ) في ب : فيهم . ( 5 ) في ب : جميعه .